علي الجارم / مصطفى أمين

9

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

تأليف هذه الألوان بحيث تختلب الأبصار وتثير الوجدان ، والبليغ إذا أراد أن ينشئ قصيدة أو مقالة أو خطبة فكر في أجزائها ، ثم دعا إليه من الألفاظ والأساليب أخفها على السمع ، وأكثرها اتصالا بموضوعه . ثم أقواها أثرا في نفوس سامعيه وأروعها جمالا . فعناصر البلاغة إذا لفظ ومعنى وتأليف للألفاظ يمنحها قوة وتأثيرا وحسنا . ثم دقة في اختيار الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه وموضوعاته وحال السامعين والنّزعة النفسية التي تتملّكهم وتسيطر على نفوسهم ، فربّ كلمة حسنت في موطن ثم كانت نابية مستكرهة في غيره . وقديما كره الأدباء كلمة « أيضا » وعدّوها من ألفاظ العلماء فلم تجربها أقلامهم في شعر أو نثر حتى ظهر بينهم من قال : ربّ ورقاء هتوف في الضّحا * ذات شجو صدحت في فنن « 1 » ذكرت إلفا ودهرا سالفا * فبكت حزنا فهاجت حزنى « 2 » فبكائى ربّما أرّقها * وبكاها ربّما أرّقنى « 3 » ولقد تشكو فما أفهمها * ولقد أشكو فما تفهمنى غير أنّى بالجوى أعرفها * وهي « أيضا » بالجوى تعرفني « 4 » فوضع « أيضا » في مكان لا يتطلب سواها ولا يتقبّل غيرها ، وكان لها من الرّوعة والحسن في نفس الأديب ما يعجز عنها البيان . وربّ كلام كان في نفسه حسنا خلابا حتى إذا جاء في غير مكانه ، وسقط في غير مسقطه ، خرج عن حدّ البلاغة ، وكان غرضا لسهام الناقدين .

--> ( 1 ) الورقاء : الحمامة في لونها بياض إلى سواد . والهتوف : كثيرة الصياح . والشجو : الهم والحزن . والصدح : رفع الصوت بالغناء ، والفنن : الغصن . ( 2 ) الإلف : الأليف ( 3 ) الأرق : السهر ، وأرقها : أسهرها . ( 4 ) الجوى : الحرقة وشدة الوجد .